
حرموا ضوء القمر و قطرات المطر وبانتظار بزوغ شمس الحرية

أربعة اسرى يدخلون عامهم الإعتقالي الثامن عشر خلف القضبان
06-06-2010
أبناء عائلاتهم يروون ذكريات لا تنسى... ويطالبون بإطلاق سراح كافة المعتقلين أربعة أسرى مقدسيين يدخلون عامهم الاعتقالي الثامن عشر خلف القضبان -تقرير اخباري
القدس - من أمل أبو دياب - كحجارة القدس هم باقون, فرغم الزمن الذي طال ولا زالت أيامه تطحن سنوات عمرهم التي عصف بها السجن والسجان, حرموا وجه السماء وضوء القمر وقطرات المطر, ولكنهم لا زالوا ينتظرون نور الشمس الذي حرموا منه, ليلاقوا أبناء عائلاتهم الذين تزدان وجوههم بالبسمة المسلوبة التي تعاهدوا أن لا تكتمل إلا بتحرر أسراهم من سجونهم التي اقتيدوا إليها منذ أعوام طويلة
" قصة واحدة "
الأسرى المقدسيون الأربعة: محمود عيسى, محمود عطون, ماجد أبو قطيش وموسى عكاري, بدأوا منذ أيام معايشة ساعات وأيام وشهور عامهم الاعتقالي الثامن عشر في السجون الإسرائيلية, فهم يقضون حكما بالسجن المؤبد 3 مرات إضافة إلى 40 عاما, حيث اعتقل عيسى وعطون بتاريخ 3-6-1993, فيما اعتقل أبو قطيش وعكاري في الخامس من الشهر ذاته.
واعتقل الأربعة بتهمة تشكيل خلية « الوحدة الخاصة لعز الدين القسام» التابعة لحركة حماس, التي قامت بأسر ضابط حرس الحدود «نسيم طوليدانو» من الرملة, وإحضاره لمنطقة الخان الأحمر في طريق أريحا
وعبر الصليب الأحمر, أعلنت المجموعة أن هدف العملية يكمن في الإفراج عن أسرى حماس القابعين في السجون الإسرائيلية وفي مقدمتهم الشهيد الشيخ احمد ياسين, لكن إسرائيل رفضت طلبهم بعدما جعلت المرحوم ياسين يلقي خطابا لهم عبر الإذاعة الإسرائيلية ليقنعهم بالإفراج عن الجندي إلا انه قال لهم: «انتم أصحاب الشأن وافعلوا ما ترونه لمصلحتكم.»
وبعد يومين قتلت المجموعة طوليدانو, واستمرت في محاولات أسر جنود, ويسجل في لائحة الاتهام الطويلة, إنها نفذت عملية قتل شرطيين في الخضيرة بوادي عارة, وحاولت أسر قائد حرس الحدود في بيت ليد داخل أراضي ال 48, وفشلت هذه المحاولة إلا أنهم أطلقوا عليه الرصاص وأصابوه
أما إسرائيل فسجلت تاريخ عملية أسر طوليدانو «13-12-1992», كيوم لا ينسى في تاريخها, كونها العملية الأولى من نوعها رغم قدرات اسرائيل وإمكاناتها العسكرية, وللمرة الأولى وفي تاريخ الحكومة الإسرائيلية فتحت الكنيست أبوابها الساعة (12) ليلا من اجل الإعلان عن اعتقال الخلية, وردا عليها جرى إبعاد 415 فلسطينيا من قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى «مرج الزهور» في الجنوب اللبناني.
وحتى المحاكم الإسرائيلية, فسجلاتها لا زالت تحفظ الكلمات التي رددها الأسير عيسى نيابة عن أبناء مجموعته المقدسية, ليرد على مطالبة القاضي له بإعلان الندم, والحكم القاسي بقوله: «نحن اليوم إذ نقف أمام محكمة المحتل لتصدر حكمها علينا, كان الأولى أن تقف حكومة الاحتلال ورئيسها أمام محكمة لتنال ما يستحق جراء ما ارتكبته من إثم, وبالنسبة لنا اقضي ما آنت قاض, إنما تقضي هذه الحياة الدنيا
وأضاف: «نحن أفراد قمنا بعملية بشكل فردي ولم نقتل يهودا مدنيين وإنما جنودا يلبسون الزي العسكري ويحملون السلاح في القدس والداخل.»
" الأسير عيسى معزول تحت الأرض "

انهمرت دموع عينيها الحزينتين, لتسبق كلماتها البسيطة الخارجة من قلب أم عرفت حقا معنى التضحية من أجل الوطن, الحاجة أم محمد والدة الأسير محمود موسى عيسى , بكت بحرقة عندما سألتها عن محمود وقالت: «منذ 6 سنوات لم تره عيني, أتكلم معه عبر الإذاعات المحلية دائما وأنا موقنة أنني لن اسمع صوته يجيبني, وابدأ البكاء
ولم تجف الدموع رغم بكائها الذي لم يتوقف في رحلة اعتقال محمود المعزول منذ 8 سنوات بسجن «هشارون», ويبلغ من العمر اليوم (43 عاما), ففي عناتا شمال شرق مدينة القدس ولد وعاش ودرس, وكان الابن الرابع في أسرته المكونة من 9 أنفار, وكان محبا لشعبه وقضيته, ويعشق القدس والأقصى, معروف بأخلاقه الطيبة وتمسكه بدينه ومساعدته للناس, وعمل في مجال الصحافة مديرا لمكتب صوت الحق والحرية في القدس, كما حصل على شهادة في التحاليل الطبية.
وتقول والدته: «قبل اعتقاله كان محمودالمولود بتاريخ 21-5-1968, يستعد لإعلان خطوبته, وجهز غرفة نوم له, وقبل أن يفرح بها اعتقل.» ورفضت والدته أن تدخلها لمنزلها حتى يعود محمود, الذي لم تنسه, ومنعت أيا من أبنائها وبناتها من إطلاق اسمه على أحفادها, لأنها كما تقول تحب محمود ولا تريد أن تسمع احدا يؤذي من يسمى باسم محمود بأية كلمة
.jpg)
ورغم تقدمها بالعمر, فان الحاجة أم محمد لا تتردد عن المشاركة في الاعتصامات التضامنية , بل وتقول: «عندما يعلن الإضراب عن الطعام, أشاركه الإضراب, إن روحي تعيش لمحمود ومعه, ولا حياة أو فرح لي بدونه».
" قائمة الرفض الطويلة "
لكن قائمة الرفض الإسرائيلي كانت تكبر وتزداد منذ اعتقال محمود, ولان سلطات الاحتلال كانت تعتبر محمود من أبرز المشاركين في عمليّة الأسر، فقد رأت في اعتقاله نصراً، وفرصةً للانتقام من شخصٍ استطاع أن يُصيب كبريائها في الصميم، ومنذ اللحظة الأولى لاعتقاله, توالت حملات الانتقام
وتقول شقيقته أم عبادة: «أمرت السلطات الإسرائيلية بإغلاق منزلنا ولم يسمح لنا بزيارته إلاّ بعد عامين من اعتقاله.» وتضيف: «لكن الأشد مرارة أن والدنا توفّي بعد زيارته بفترةٍ بسيطةٍ إثر تدهور صحّته، وحرمته إدارة السجن من وداع والده أو المشاركة في تشييعه, بل وإمعاناً في التضييق عليه رفضت سلطات الاحتلال طلباً تقدّم به محمود لدراسة العلوم السياسيّة من سجنه
وتوضح أم عبادة: «ورغم غياب محمود القسري, إلا انه حاضر معنا دوما, حتى رغم حرماننا منه, فهو الحافظ لكتاب الله, وقادر على أن يصمد ويتحدى ويتحمل حتى يتحقق حلمنا الذي لن نتخل عنه.»
وتضيف:» أثناء عزله بأيلون قال لي: «أنا أحافظ على عقلي بالكتابة, وعلى روحي بالصلاة والتقرب من الله, وعلى صحتي بالرياضة فلا تخافي», هو قوي, ومعنوياته عالية, وقد ألف العديد من الكتب خلف القضبان رغم ظروفه القاسية منها: رواية «حكاية صابر» التي تتناول تاريخ فلسطين من عام 48 حتى اليوم, ومجموعة قصصية بعنوان «أين الوفاء», وكتاب «المقاومة بين النظرية والتطبيق», وهذه الكتب مصفوفة ومحررة وتنتظر من يتبنى نشرها.
وكما تتزين جدران منازل عائلته بصوره, فإن كل فرد منهم يرسم صورة محمود في قلبه وعقله, كشقيقته أم شهد التي لا تغيب عن عينها صورته, وخاصة في شهر رمضان وتقول: «فحين يذكر رمضان يذكر محمود, فهو كان من يحضر الكعك ومأكولات رمضان الخاصة, لا معنى للحياة بدونه, ولكن ما يؤلمني انه رغم حكمهم القاسي, فإنهم يواصلون اتخاذ كل إجراء يحول حياته لجحيم, أخي منفي في جهنم هذه الدنيا, في أقسى مواقع عزل إسرائيل لا يسمحون له بممارسة أدنى حقوقه, لا صحف, لا تلفاز, لا رسائل, ولا ملابس
.jpg)
وتضيف وهي تحاول مقاومة دموعها: «حتى صور أطفالنا يصادرونها ليحرموه من فرحته بأحد أبناء أشقائه, أين العدالة والضمير؟ أخي محمود مثل العصفور, حبسوه في قفص صغير, وحرموه كل شي.
وكولدها صمدت أم محمد وهي تحصي الأيام والساعات, وكلما لاح في الأفق حديث عن صفقة تبادل تنسى كل شيء, وتكرس كل لحظاتها للصلاة لحرية محمود, ومتابعة الأخبار. وتقول والدته: «انقطعت أخبار محمود منذ سنوات, منذ عام 2002 لم تزره شقيقاته أو أشقاؤه, ومنذ عام 2004 يرفضون منحي تصريحا لزيارته, وحين قدم طلبا للسماح لي بزيارته كان رد قاضي المحكمة بان (والدة جلعاد شاليط لا تزور ابنها الأسير فكيف تزورك والدتك؟)
وتضيف شقيقته أم عبادة: «هذه هي دولة الديمقراطية وحقوق الإنسان! استغرب كيف يسمح العالم بذلك, إن من ابسط حقوق الإنسان أن يرى ابنه, ووالدتي ممنوعة من سماع حتى صوته, لذلك أتمنى من الضمائر الحية مساعدتنا لكي تراه أمي قريبا حتى لو كان داخل السجن, وان تقف لجانب محمود لينتهي عزله.
" الأسير عطون لم يندم للحظة واحدة "
.jpg)
كشجرة زيتون تضرب بجذورها في الأرض المقدسية الطيبة بقوة جبارة, جلست الحاجة أم أحمد (61 عاما) تستذكر ابنها الأسير محمود محمد عطون (40 عاما) الموجود في سجن ريمون، ورغم مرور 17 عاما على اعتقاله فانه لم يغب عن تفكيرها, وبرباطة جأش ومعنويات عالية تقول: «في كل لحظة أتأمل أن أراه عائدا لمنزلنا في بلدة صور باهر الذي تسكنه الأحزان والآلام لا تنتهي, فكيف لقلب أم أن يشعر بفرح وهي تفتقد ابنها, أن محمود كل حياتي, ولن تعود لتلك الحياة معانيها ما دام بالأسر
ولأم احمد حكاية طويلة مع سجون الاحتلال تمتد لسنوات, ففي بعض السنوات لم يسلم احد من أفراد أسرتها من الاعتقال بما فيهم زوجها, وتقول: «لا يوجد سجن لم أزره وأتجرع مرارة العذاب على أبوابه, فخلال عام كامل كان زوجي وأبنائي رهن الاعتقال, أمضيت الأعياد وكل المناسبات أتنقل من سجن لآخر أزور أبنائي الخمسة الأسرى, فقد كنت أتوجه لزيارة محمود في بئر السبع, احمد في عسقلان, إياد في جلبوع, عماد ورائد في مركز تحقيق المسكوبية, إضافة إلى زوجي أبو احمد في الجلمة
.jpg)
وتضيف: «تلك الأيام كانت الأصعب, حيث أحسست بالدور الذي يقوم به زوجي أبو احمد للاطمئنان على أبنائنا الخمسة في أسرهم, فتحملت مسؤولية أبنائي ووالدهم أيضا, فابني إياد (39 عاما) اعتقل لمدة 5 سنوات ووالده اعتقل عام 1998 لعام واحد, وكذلك ابني النائب عن دائرة القدس احمد عطون (42 عاما) قضى أربعة عشر عاما متفرقة كان آخرها اعتقاله لمدة ثلاث سنوات ونصف من عام 2006 حتى 2009 وأفرج عنه بتاريخ 2-11-2009 وسحبت منه الهوية المقدسية».
وتأتي ذكرى اعتقال محمود, والوالدة الصابرة التي تجاوزت العقد السادس لا زالت تروي لأحفادها الذين لم يعرفوا عمهم لمنعهم من زيارته والذي لم يعرفهم إلا من خلال الصور, حكايته التي تزرع فيها نبض الإيمان, فمحمود ولد في 25-9-1970, وهو الثاني بين أشقائه الذكور الستة, والأحب لقلب شقيقاته الأربعة, أنهى دراسته الثانوية بنجاح, ثم التحق بكلية الشريعة في أم الفحم ودرس لمدة عامين ولم يكمل بسبب اعتقاله, ولكن تحدى السجن وظروف الاعتقال وأنهى 62 ساعة دراسة علوم سياسة في الجامعة العبرية المفتوحة أثناء اعتقاله, وبعد عزله 3 سنوات عزل انفرادي منع من إكمال دراسته وحتى اليوم لم يتمكن من استكمالها.
وحتى اللحظة لم ينس الحاج أبو أحمد (63 عاما) تفاصيل اعتقال محمود, إذ يقول: «بعد خروجه من المنزل كانت قوات الاحتلال تنصب له كمينا, وطاردته سيارات المخابرات وحاصرت سيارته في شارع بيت لحم- القدس بمنطقة رامات راحيل في تل بيوت واعتقلته.»
ويضيف: «في يوم اعتقاله أبلغتنا الشرطة الإسرائيلية عبر الهاتف أن حادث سير وقع مع محمود, وطلبوا منا التوجه إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس, وعندما توجه عمه علي وأخوه احمد للمركز, قاموا باعتقال احمد وترحيله مع محمود إلى سجن طولكرم المعروف ب (المسلخ) لشدة ظروف التحقيق فيه, وفي نفس الوقت وفور اعتقال محمود أصدرت قوات الاحتلال قراران بإغلاق منزل العائلة, لكننا نجحنا في استصدار أمرين احترازيين ضد تلك القرارات
ولم تكتف السلطات الإسرائيلية باعتقال احمد ومحمود بل قام عدد كبير من أفراد المخابرات باقتحام منزلهم وتفتيشه بشكل دقيق وتحطيم محتوياته وإلقاء الغاز المسيل للدموع ومواد غازية أخرى, والرصاص المطاطي واعتدوا بالضرب المبرح على أهله.
" بين الأسر والعائلة "
ويروي الحاج أبو احمد أن مسلسل الاستهداف تواصل, فقد حرم من زيارة محمود لمدة خمس سنوات, كما أن أشقاءه إياد واحمد ورائد وعماد ممنوعون من زيارته كونهم أسرى محررين, كما تعمدوا نقله من سجن لآخر لمنعه من الاستقرار وعرقلة زيارته. ويضيف:» يعاني محمود من إهمال شديد في السجن حيث انه محروم من إدخال الملابس ومن الكنتينا, ومنذ 6 شهور منعوه من إرسال الرسائل لنا».
وتعانق أم احمد صور محمود التي تزين واجهة منزلها وهي تقول: «كلي أمل أن أعانقه وأقابله وجها لوجه لنعيش ما تبقى من العمر بفرحنا بحريته وزفافه, فعندما كان يتزوج احد من أبنائي وبناتي كنت ابكي وأتألم لأنه لم يحضر زفاف أي منهم.» وتضيف: «افتقده دائما, خصوصا عندما بتجمع أشقاؤه, وفي رمضان تكون أقسى الأيام حيث أنني أحس فعلا أن هناك ما ينقصني, عندما أزوره واراه من خلف الجدران الزجاجية ابكي وأتألم لكنني استمد القوة من صبره, فهو دائما يخبرني بأنه ليس حزينا لأنه لم يندم للحظة واحدة
ويبدو جليا مدى تأثر الوالدة بغياب ابنها, فالأحزان وعذابات السجون أورثتها الأمراض فمن السكري لمشاكل في الشرايين, ولكنها ما زالت صابرة, وتقول: «أتمنى أن يفرج الله عنه وجميع الأسرى, وأناشد كل من لديه ضمير حي أن يعملوا على حل قضية الأسرى فإن الظلم صعب ونحن أهالي الأسرى أكثر الناس إحساسا بذلك
أما الوالد والزوج الذي يقف لجانب زوجته دوما يشد أزرها ويرفع معنوياتها, فقال في ذكرى اعتقال ولده: «إن شاء لله سوف يفرج الكرب عن جميع الأسرى ويجمعنا بهم, وأنا أطالب آسري شاليط بأن يتمسكوا بموقفهم بانجاز صفقة الأسرى للإفراج عن جميع أسرانا بلا استثناء: أسرى غزة, الضفة, القدس, الداخل, الجولان والأسرى العرب, ونطالب الحكومة الفلسطينية بالوحدة لأن الوحدة هي الأساس لتحرير الوطن والأسرى.»
" الأسير أبــو قطيش يحلم بالصلاة في المسجد الأقصى "
.jpg)
«لم أزر ماجد منذ عام ونصف, اشتاق له كاشتياق الزرع للمطر, أذكر كيف أفلت بسرعة من قبضة السجانين يوم التقيته بعد اعتقاله بأيام في مركز تحقيق المسكوبية, صرخ بالسجان وقال له «هذا أبي ومن حقي احتضانه» وركض ليرتمي بين يدي, كيف أنساه وهو فرحة رأيتها تكبر أمامي, ولم أتمكن من الاحتفال بها.» بهذه العبارات التي تروي حكاية أسير وعائلته, بدأ الحاج أبو ماجد (69 عاما) يصف فصول معاناة سطرت خطوطها جبهته لتعانق سطور العمر الظاهرة على وجهه الذي لن تعود له الحياة إلا بعودة ماجد الذي أمضى 17 عاما خلف القضبان, رفض الاحتلال خلالها الإفراج عنه, كونه من أسرى القدس الذين يحاولون استثناءهم من كل حديث عن تبادل أو إفراج, رغم أنهم جزء لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني وحركته الأسيرة المناضلة التي لا يمكن أن يفرقها احتلال أو سجن.
ولا يهمل الوالد للحظة الحديث عن سيرة ابنه ماجد (40 عاما) الموجود في نفحة, الذي تتوزع صوره في كل ركن وزاوية من منزله ببلدة عناتا الجديدة, لتبقى ذكراه حية, ويقول: «في 9-8-1970 ولد ابني ماجد, حيث تربى ودرس وعاش هنا, واعتقل من منزلنا بعدما حاصرته القوات الإسرائيلية
.jpg)
حينها كان يعيش أبو ماجد وعائلة عمه في بناية واحدة بمنطقة الصلعة, ويتذكر تلك اللحظات قائلا: «عندما حضروا للبناية اعترضت طريقهم ومنعتهم من الدخول للمنزل لوجود النساء داخل المنزل، حينها اعتدوا علي بالضرب على يدي عندما وضعتهما على الباب لمنعهم من الدخول, بعدها اقتحموا المنزل وفتشوه بدقة ودمروا معظم الأثاث
وأضاف: «ثم اعتقلوا ابني ماجد بينما كان نائمًا في فراشه وخلال ذلك اعتدوا عليه بالضرب المبرح, ورطموا رأسه بالسرير, وعندما بعثروا أثاث المنزل فقدنا ابنتي منال, ووجدناها تحت الفراش, وبعد ذلك احتجزوا أفراد العائلة عند بيت عمي وفتشوا منزله, ثم طلب مني الجندي إخلاء المنزل من أجل هدمه, حينها كانت والدتي (92 عاما) على فراش الموت فوضعتها على ظهري وأخرجتها من المنزل
ويكمل: «ثم حصلنا على أمر احترازي يقضي بوقف عملية الهدم, حينها جرى بين القوات وأولاد عمي تشابك بالأيدي مما أدى إلى إصابة ابن شقيقتي محمد بجرح بليغ في رأسه, بعدها أصدروا أمرًا عسكريًا يقضي بمنعنا من الاقتراب من المنزل لمدة 48 ساعة، وعاقبوا كافة الشبان حيث قيدوا أيديهم ووضعوهم على السطح تحت أشعة الشمس طوال النهار
ولماجد شقيق اسمه مازن أمضى عامين ونصف داخل السجون, وابن شقيقته حسين معتقل منذ 3 سنوات ويقضي حكما بالسجن لمدة 5 سنوات و30 شهرا, ولا زال شقيقه ممنوع من زيارته بذريعة المنع الأمني
"حلم بالحرية والعودة"
وتقول الحاجة أم ماجد: «في كل زيارة يمنحني ماجد أملا كبيرا في حديثه, فأنسى كل لحظات المعاناة, أنا أعيش على صدى كلماته, أتذكره في كل لحظة, ولكن تعتبر أيام العيد ورمضان هي أصعب الأيام علي, فاشعر بالمرارة عندما يجلس الجميع في أماكنهم بينما لا زال مكانه شاغرا منذ 17 عاما.»
وتضيف: «وفي يوم زيارته استيقظ صباحا وأنا أتألم لان ابني بعيد عني, اشتاق لعناقه صباحا, وتتكحل عيناي برؤيته, لنستعيد الفرحة التي سرقها السجن والسجان, وحتى عندما زوجت كل أبنائي, لم افرح وأبلغتهم أن فرحتي لن تتحقق إلا بعودة ماجد, وخروجه من جحيم السجن, لنحتفي به في رحاب الأقصى, فماجد يتمنى الصلاة بالأقصى, وهي أمنيته التي يكررها دوما في كل زيارة, وبإذن الله ستتحقق
.jpg)
شقيقته منال كان عمرها 10 أعوام, لدى اعتقاله, وهي اليوم أم, عندما سألتها عن ماجد, بكت وقالت: «زرته قبل شهرين, وأتمنى أن يفرج عنه قريبا, فقد أمضى في السجن أكثر مما أمضاه حرا, لذلك فانا أدعو الله دائما لحريته
أما والده فقال في ذكرى اعتقاله: «الحمد لله, أنا رأسي مرفوع, ابني سجن بسبب حبه لوطنه ودفاعه عن أبناء شعبه, وأنا اطلب من آسري شاليط التمسك بقراراتهم, وعدم إتمام الصفقة دون الإفراج عن جميع الأسرى بلا استثناء وعلى رأسهم أسرى القدس, والداخل والجولان, والأسرى القدامى أيضا
ودون تردد, كررت أم ماجد عبارات زوجها وأضافت: «من رحاب المسجد الأقصى وبين جنبات القدس أتوجه بالدعاء لله تعالى ليفرحني بعودة ابني, واتمنى له الفرج القريب, وأقول له ولإخوانه الأسرى من قلبي الصابر النابض بحبه: اصبروا, فانتم تحملتم الكثير من اجل وطنكم
"الأسير عكاري إرادة صلبة رغم القيود"
.jpg)
لم تثنه قضبان السجن عن تحقيق أحلامه واثبات ذاته, فمن ظلام المعتقل الدامس, خرج الأسير موسى عكاري (41 عاما) ليكتب بشغفه بالدراسة نورا يشق ذلك الظلام. فالأسير عكاري حصل قبل عام على درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من الجامعة العبرية المفتوحة, بعد أن تمكن من إكمال دراسته بعد أن حصل على التوجيهي وهو معتقل, وعلى درجة البكالوريوس بنفس التخصص وحصل على تقدير امتياز من الجامعة وشهادة تقدير
كما تمكن من حفظ القرآن الكريم غيبًا بينما كان معزولاً لمدة سبع سنوات, وقد قدم امتحانا لدى وزارة الأوقاف وحصل على شهادة بتقدير امتياز, كما حصل على شهادة حفظ وتجويد القرآن الكريم. وهو اليوم يتمنى إكمال دراسته للحصول على درجة الدكتوراه, لكن السلطات الإسرائيلية تمنعه من ذلك وترفض الطلبات التي يقدمها باستمرار وبشكل متعمد
وتحدث شقيقه إبراهيم عنه قائلا: «سارعت القوات الإسرائيلية إلى اعتقال شقيقي موسى في الوقت الذي كان يستعد فيه لزفافه والذي كان مقررا بعد أسبوع من اعتقاله.» تفاصيل تلك اللحظات المروعة لا زالت محفورة في ذاكرة إبراهيم والذي لم ينسها رغم مرور كل هذه الأعوام الطويلة,
ويضيف: «ففي تلك الليلة اقتحم المخيم أكثر من دورية عسكرية مدعومة بعدد كبير من القوات التي طوقت منازل الجيران أيضًا, وشرعوا في مداهمتها تحت جنح الظلام حتى وصلوا لمنزلنا في الساعة الثالثة صباحًا وبعد اقتحامه من قبل القوات المقنعة «قوات الضفادع», أعترض أفراد العائلة على الاقتحام
ويوضح: «قامت القوات بالاعتداء علينا بالضرب المبرح ثم جرى اشتباك بالأيدي بينا, وكل ذلك جرى بينما كانت والدتي نائمة لأنها صماء, ولم تستيقظ إلا عندما داس أحد الجنود ساقها, حينها استيقظت وأخذت تصرخ بشدة وشعرت بالخوف والصدمة، مما أدى إلى تدهور وضعها الصحي، وتم نقلها للعلاج بسبب تعرضها لصدمة نفسية
وحينها سألت القوات عن موسى ولم يجدوه, ثم قاموا بتفتيش المنزل بدقة وبعثرة محتوياته وتحطيم معظم أثاث الذي تحول إلى ركام, وصادروا بعض الكتب, كذلك فتشوا حتى الاسمنت الموجود فوق سطح المنزل, خلال ذلك حضر موسى للمنزل فاعتقلته القوات ونقلته لمكان مجهول وبعد يومين من اعتقاله في المسكوبية علمنا بمكان وجوده
وتعرض الأسير موسى الموجود حاليا في سجن نفحة, للتحقيق لمدة ستة أشهر, ثم العزل الانفرادي في سجن عسقلان لمدة طويلة رافقها التعذيب النفسي والشبح, ثم صدر بعد حكمه, أمر يقضي بإغلاق منزل العائلة, التي كلفت محاميًا لاستئناف القرار فتم تجميده.»
ويصف شقيقه إبراهيم فترة التحقيق فيقول: «لقد تعرض شقيقي خلال تعذيبه لمدة أربعة شهور في مركز شرطة المسكوبية لكسر في جمجمته, وتم نقله للعلاج في مستشفى هداسا عين كارم, وبقي الجرح الذي أصيب به وراء أذنه اليسرى مفتوحًا, وتنزف أذنه دماً بعد إجراء العملية الجراحية له، كما يعاني موسى من آلام في ظهره نتيجة تعذيبه, ويعاني من آلام شديدة في الظهر.»
" توفيت والدته متمنية تحرره "
اعتقال موسى لم يكن له الأثر الكبير على والدته فقط, وإنما ترك فراغًا كبيرًا بين أشقائه لأنه أكبرهم ويقول شقيقه: «لقد اعتقل موسى في ريعان شبابه وعمره 21 عاما, حيث فقدناه من صغرنا ومن حينها تشتت شملنا ومزقت العائلة تمزيقًا صعبًا, حتى أن والدتي تأثرت كثيرًا, ورغم صبرها وصمودها ومقاومتها وإصرارها على زيارتها, إلا أن المرض اثر عليها, وقبيل وفاتها لم تتمكن من زيارته لمدة 6 شهور, وعندما اشتد المرض عليها تقدم ماجد بعدة طلبات للصليب الأحمر وإدارة السجون للسماح له برؤية والدته, عن طريق السماح له بزيارة خاصة أو السماح لها بزيارته بسيارة الإسعاف ولكن كل الطلبات رفضت وقبل أربع سنوات ونصف توفيت دون وداعه أو مشاهدته وأغمضت عينيها وهي تردد اسمه وتوصي به وكانت تلك المحطة الأشد تأثيرا على موسى.»
وفي ذكرى اعتقاله قال شقيقه إبراهيم: «نتمنى من الجميع التحرك بأسرع وقت لفك سراح الأسرى كلهم, وأسرى القدس خاصة والقدامى منهم, بل وأناشد اسري شاليط بعدم انجاز الصفقة دون إدراج اسم موسى ورفاقه الثلاثة ضمن الصفقة, لأنها الحل الوحيد للإفراج عنهم
الجدير بذكره هنا, أن هذا الواقع المأساوي الذي فرضته السلطات الإسرائيلية على الأسرى: محمود عيسى, محمود عطون, ماجد أبو قطيش, جاء اثر محاولتهم الهرب برفقة الأسيرين حافظ قندس ومروان أبو ارميلة, من سجن عسقلان, لكنّ السلطات اكتشفت النفق الذي كانوا يحفرونه مع رفاقه ليُغادروا عبره, وأمسكت بهم وفرقتهم عن بعضهم وحكمت عليهم بتمديد فترة سجنهم, ونقلهم إلى العزل الانفراديّ, ومن يومها لم يجمعوا داخل سجن واحد